الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
429
المنقذ من التقليد
والقرون الماضية عن الكتب فيأتي بها من قبله ، كما قال اللّه تعالى : « وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ » « 1 » . وذكر العلماء في جملة ما يعصم منه النبيّ الحرف التي تهوّن صاحبها على الناس كالحجّاميّة والحمّاميّة وغيرهما ممّا يرجع إلى خدمة الناس . فأمّا الاستيجار للأعمال التي لا يستهان بالعامل فيها فغير منفّر ، لأنّه من جملة ما يطلب به الرزق الحلال ، كرعاية الغنم ، لأنّ رعاية الغنم ممّا لا ينفّر أيضا ، بل هو معين على الاهتداء إلى سياسة الأمّة وتدبير مصالحهم . وكون الإنسان ولد زنا ممّا ينفّر أيضا ، فلا يجوز عليهم ، صلوات اللّه عليهم . وقد قيل في كونه لقيطا إنّه ينفّر ، ولكن ذلك إنّما ينفّر إذا بقي الأمر في اللقيط مشتبها ، فأمّا إذا ظهر أنّه لم يكن لقيطا لاشتباه الحال فيه وفي نسبه ، وإنّما كان لخوف الظلمة عليه ، فانّه لا ينفرّ ، كما كان في حقّ موسى عليه السلام . ومن صفات النبيّ الذكورة ، فإنّ الأنوثة منفّرة ، ولهذا ترى الرجال العقلاء يردّدون بالإناث في الأمور الراجعة إلى السياسة والحكومة بين النّاس . وأمّا الصبيّ ، فغير منفّر بنفسه ، وانّما المنفّر ما يصحبه ويقارنه من نقصان العقل وقلّة الفطنة . فإذا كان الصبيّ كامل العقل والفطنة بحيث توفي فطنته على فطنة البالغين كان أعجب وادعى إلى القبول ، كما كان في حقّ يحيى وعيسى عليهما السلام . وجملة الأمر أنّ النبيّ يجب أن يعصم عن جميع ما ينفّر عن القبول منه ، سواء كان متعلّقا بفعله أو كان خلقة وغريزة أو مرضا من جهته تعالى أو نقيصة من جهة غيره ، كالدياثة .
--> ( 1 ) العنكبوت : 48 .